السيد حسن الأمين / السيد عبد العزيز الطباطبائي / الشيخ محمد رضا الجعفري

10

حياة الشيخ المفيد ( سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد )

وكبيرة في انحاء المعمور ، ويجالس وهو في مجلسه وراء القفار والبحار من هم في مجالسهم في الجانب الآخر من تلك القفار والبحار . كنت اندهش من هذا التجاوب الحزين للناس في بلاد الشام هؤلاء الناس الذين ينطق بلسانهم ويعبر عن شعورهم شاعرهم الصوري ، كنت اندهش من تجاوبهم الحزين مع الذين عاشوا في العراق مع الشيخ المفيد ، وهم لم يروا الشيخ المفيد ، ولم يعاشروه ولم يتأثروا بمجلسه ، كيف انفعل الشاعر الشامي العاملي عبد المحسن الصوري هذا الانفعال الذي عبر عنه بقوله ( يا له طارقا من الحدثان ) . وكيف انفجر هذا الانفجار الذي يرى فيه ان المنون قد اعتدت على الايمان باماتة الشيخ المفيد ، بل كيف اهتز كيانه كله ، وهو يحس ان العويل قد امتد من بغداد إلى الشام : فجعة أصبحت تبلغ أهل الشآ * م صوت العويل من بغدان وكيف استطاعت هذه الفجعة ان تبلغ مسامع أهل الشام صوت العويل الذي جلجل في أجواء بغداد ، حتى لكأنه يتعالى في أجوائهم ويرن في منازلهم ؟ ! يوم قرأت هذا الشعر في مطالع الشباب ، كان يثير دهشتي ، وأحار في تفسير هذه الظاهرة التي جعلت هذا الشاعر ينطق بما نطق به فيبدو جزوعا أشد الجزع ، يبدو كذلك لا وحده ، بل يبدو معه مجتمعه الذي هو لسان حاله وممثل مشاعره وصورة واقعه . . . هذا الجزع الذي لا يكون إلا على العشراء والأصفياء والخلطاء ، الذين يحس الانسان بخلو مكانهم عند موتهم ويفتقد مجالسهم ومنتدياتهم ، ويرى افقار منازلهم منهم . لم هذا الجزع من أهل بلاد الشام على هذا الذي مات في بغداد ، وهم لم يروه ولم يعرفوه ولم هذه اللوعة المتمثلة بهذا البيت :